ألغاز العقل الباطن ومفاتيح السيطرة عليها

ألغاز العقل الباطن ومفاتيح السيطرة عليها

كل عمل يبدأ بالتفكير، وهذا ما يرشدنا ويساعدنا على التعامل مع الحياة بشروطها، فعندما يجب علينا اتخاذ قرار ما نستخدم عقولنا للتفكير وإدراك ما نواجهه لكي نتمكن من التوصل إلى قرار إيجابي تكون فيه المنفعة لنا ولمن حولنا. ولا يهم ما هي المرحلة الحياتية التي نمر بها فجميعنا نستخدم السبل ذاتها التي تسمح لنا باتخاذ القرار بناءً على مانعرفة ونراه ونسمعه. فإذا بدأنا التفكير بطريقة سلبية ستحدث لنا الأشياء السيئة، وإذا فكرنا بطريقة إيجابية فستحدث لنا أشياء جيدة.

الفرق بين العقل الواعي والباطن 

نعتقد أن هذه الطريقة في التفكير تأتي من العقل الواعي، الذي يملى علينا كيفية التفكير وإدراك ما يحدث في حياتنا كما يكون له تأثير مباشر على نتائج المشاكل التي تواجهنا، ويتحكم العقل الواعي في كيفية تمييزنا وفهمنا لمحيطنا. ولكن هل تعلم أن العقل الواعي يشارك فقط في ما نلاحظه وندركه ؟ هذا صحيح، فالعقل الواعي يدرك فقط ما تلتقطه العين وتسمعه الأذن، ويقوم بتخزين ذلك على شكل معلومات.

ولكن هناك مستوى آخر في العقل لديه المزيد من السيطرة على أفكارنا أكثر من العقل الواعي، ألا وهو العقل الباطن، فالعقل الباطن هو الذي يقوم بتحويل الأفكار التي تأتي من العقل الواعي إلى أفعال تتناسب مع تلك الأفكار ويقوم بتسليمها للعقل الواعى على أنها ردود فعل والتي نفسرها نحن على أنها أفكار، حيث تقوم تلك الأفكار بتوجيه عواطفنا ومشاعرنا.

ولكن عندما تأتي تلك الأفكار إلى عقلنا الواعي قد تتلائم أو لا تتلائم مع برامجنا الراسخة فينا منذ صغرنا، حيث أن برمجة عقولنا بدأت منذ يوم ولادتنا ولذلك فإننا قد نرفض بعض الأفكار التي لا تتناسب مع معتقداتنا, فما هو العقل الباطن إذا وكيف يعمل؟

رحلة في أعماق العقل الباطن

يمكن التفكير في العقل الباطن على أنه شيء مثل الكمبيوتر، فالكمبيوتر يتكون من العديد من الأجزاء التي تسمح له القيام بوظيفته التي يقوم بها فهناك وحدة المعالجة المركزية والشاشة ولوحة المفاتيح والماوس ومحرك الأقراص، كل شيء في مكانه، ولكن هناك مشكلة واحدة فبدون نظام التشغيل لن يعمل الكمبيوتر وسيصبح بلا قيمة، ونظام التشغيل عبارة عن مجموعة من التعليمات التي تسيطر على جميع أجهزة الكمبيوتر، فبمجرد تثبيت نظام التشغيل على الجهاز يبدأ العمل. وبإضافة المزيد من البرامج سيمكنك أداء وظائف مختلفة بجانب الوظائف الأساسية التي يقوم بها الكمبيوتر.

ولكن أهم ما في الأمر هو أنه أثناء قيامك بتنفيذ مهمة ما باستخدام الكمبيوتر تقوم بتنفيذها دون التفكير عن كيفية عمل الكمبيوتر، فالكمبيوتر يقوم بإرسال الإشارات الإلكترونية لكي تتمكن من استخدام البرنامج وأنت غير مدرك لذلك.

والعقل يعمل بنفس الطريقة، فأنت لديك العقل الواعي الذي يدرك الأمور التي تحدث حولنا ويقوم بتلقى الصور والأصوات التي يتم تفسيرها على أنها أفكار. فإذا قمت بمقارنة العقل الواعي بالكمبيوتر سيكون العقل الواعي هو محرر النص الذي تقوم بفتحة وتبدأ في كتابة الوثائق، وأثناء الكتابة تتخذ قرارات باستمرار "هل الكتابة صحيحة ؟؟ هل القواعد الإملائية صحيحة؟؟ ". ففي العقل يكون العقل الواعي هو صانع القرار، حيث يقوم بتلقي جميع المدخلات ويخبر العقل الباطن متى يقوم بمعالجة تلك المدخلات وبعد أن يقوم العقل الباطن بما يجب عليه القيام به يتفاعل العقل الواعي مع النتائج الصادرة عن العقل الباطن ويقرر ما الذي يجب القيام به خلال الخطوة القادمة.

أما إذا قمت بمقارنة العقل الباطن بالكمبيوتر فسيكون هو نظام التشغيل، فهو الذي يحوي جميع ذكرياتنا، العادات، المعتقدات، والشخصية وغيرها، كما أنه يتحكم في الجسد أيضا، حيث يقوم بتلقى المعلومات من العقل الواعي ويبدأ العمل بناءً عليها، فالعقل الباطن يعمل بناءً على التعليمات الواردة إليه (تماما كما يفعل نظام التشغيل) حيث تعمل تلك التعليمات على توجيهه إلى ما يجب القيام به وكيفية القيام بذلك.

 أما الجسد فيمثل الشاشة التي يتم عليها إظهار النتائج الناتجة عن معالجة المعلومات التي تم إدخالها، حيث إنه يستجيب للبرمجة عن طريق القيام بردة فعل تتناسب مع الأمر الصادر عن العقل الباطن، والرائع في الأمر هو أن كل ذلك المجهود يتم فعله بطريقة تلقائية.

وعليه فإن العقل ينقسم إلى قسمين؛ العقل الواعي والعقل الباطن، وبدون هذين الجزأين سيكون العقل مثل جهاز الكمبيوتر بلا نظام تشغيل، ولذلك فإن تغذية وإمداد العقل الباطن بالمعلومات الصحيحة هو أمر حيوي لوجودنا.

فكر بالأمر، إذا كان لديك تجربة سيئة في مرحلة ما من حياتك، فسوف يأخذ العقل الواعي ذلك ويرسله للعقل الباطن للمعالجة، والنتيجة هي أن تلك التجربة السيئة ستحفظ في ذاكرتك لتقوم بتذكرها خلال وقت لاحق عندما تواجه موقف مشابة لتلك التجربة مرة أخرى، حيث سيقوم العقل الباطن تلقائيا باستعادة تلك الذكريات بحيث يمكنك أن تشعر بنفس الأحاسيس السابقة.

لا يعلم الجميع أن هناك حاجزًا غير مادي بين العقل الواعي والباطن وهو الذي يعمل على منع الأشياء التي لا تنسجم مع برامجنا الراسخة من الوصول إلى العقل الباطن، وهذا يمكن أن يكون شيئا جيدًا لأنه يحمينا من الأفكار السلبية ويمنع الأفكار غير المعروفة وغير المرغوب فيها من الدخول إلى عقلنا الباطن.

ولكن إذا تم تصميم تلك المنطقة على منع الأفكار غير المرغوب فيها من الدخول إلى عقلنا الباطن، فكيف حصلنا على البرمجة من البداية؟؟ دعونا نلقي نظرة على ما يلي لنعرف كيف كان ذلك ممكنا، عندما نبحث في البرمجة سنجد أن هناك ثلاثة أنواع للبرمجة.

أنواع برمجة العقل 

أول نوع وراثي وهو جزء من تراثنا، حيث يأتي ذلك النوع من البرمجة من جيناتنا وتشمل كيفية قيام الجسد بوظائفه، شخصيتنا، والمواهب التي نقوم بتطويرها، وغيرها.

أما النوع الثاني من البرمجة فهو من البيئة، ويشمل ما نتعلمه ونحن نكبر بما في ذلك أسمائنا، وشعورنا بمن نحن وكيف سنصبح، كيف نقرأ ونكتب، كيف نلبس، كيف نحافظ على نظافتنا، كيف نتعلم القيادة، كيف يمكننا التواصل مع من حولنا، وغيرها من الأمور الأخرى.

البرمجة التي نتلقاها من البيئة تشمل أيضا ما تعلمناه من آبائنا، التليفزيون، السينما، زملائنا، معلمينا، ما نقرأه، وما يقال لنا من الأخرين، فأي شيء تعلمناه من البيئة المحيطة لنا يندرج تحت ذلك النوع من البرمجة.

النوع الثالث من البرمجة هو نوع لا نسمع ولا نقرأ عنه عادة، لأنها منطقة في العقل يبقيها العلماء سرًا إما لأنهم يخافون أو لأنهم لا يفهمونا بشكل كامل. فالمستوى الثالث من البرمجة يرتبط بما يعرف "بالعقل الشامل" أو واسع الإدراك، أو كما يطلق عليه البعض "سباق العقل"، والبعض يسمونه "إدراك الجنس البشري"، ويطلق عليه بعض الأطباء "اللاوعي الجمعي".

ويشمل هذا النوع من البرمجة الأشياء التي نستوعبها دون أن ندرك ذلك وتشمل المعتقدات، والسلوكيات العائلية والمجتمعية والثقافية، والخلفية العرقية، ووضعنا الاجتماعي والاقتصادي في الحياة، والسبب في أن ذلك النوع من البرمجة نادرا ما تتم مناقشته في الطب النفسي أو في المجالات الطبية هو عدم إدراكنا أن ذلك نوع من البرمجة.

فنحن تتم برمجتنا بالطريقة ذاتها التي تتم بها برمجة الكمبيوتر، حيث تتم تغذيتنا بالأفكار مثل الكمبيوتر؛ الفرق فقط هو أننا يتم برمجتنا بالكلمات الحقيقية في حين يتم برمجة الكمبيوتر بالرموز.

ولكن العقل الباطن لا تتم برمجته ببساطة عن طريق الأفكار التي تتكرر مرارا وتكرارا بشكل ثابت، بل أنها تنطوي على أنماط عصبية تتم داخل الهيكل الخلوي لدينا، وبما أن أجسامنا تتكون من ملايين الخلايا فأي شئ في عقلنا الباطن يمكن أن يؤثر على صحتنا بالخير أو الشر، ولذلك إذا أردنا تغيير حياتنا فعلينا أن نفعل أكثر من تغيير أفكارنا، علينا أن نتعمق أكثر من ذلك ونغير برامجنا.

هذا ويعتمد تغيير برامجنا على سلسلة من الخطوات والعمليات التي ستتم مناقشتها.

وهناك طريقتان يمكننا من خلالهما إعادة برمجة أنفسنا

الطريقة الأولى هي ما يسميها العلماء "نقلة نوعية"، وتحدث تلك الطريقة عندما يقوم العقل الواعي بالتعرض وإدراك بعض الأحداث الشديدة التي تقوم حرفيا بتغيير الأفكار والسلوكيات الخاصة بنا، ومثال على ذلك، التغيير الذي يمكن أن يحدث لشخص تم تشخيصه بمرض قاتل ويعرف أنه سيموت خلال فترة زمنية معينة ولكن تحدث فجأة معجزة ويشفى هذا الشخص.

الطريقة الثانية لبرمجة عقولنا هي التكرار والتعزيز، ولا تعتمد الطريقة فقط على مجرد قول الكلمة أو العبارة مرارا وتكرارا، بل يجب إجراء بعض التقنيات التي من شأنها كسر الحاجز الذي يمنع بعض الأفكار والإشارات من الوصول إلى منطقة اللاوعي، فهذه المنطقة قوية وغير منفذة فالأمر أشبه باستخدام مطرقة على كتلة من الإسمنت، فإذا قمت بالضرب عليها مرات عديدة فتتكسر تدريجيا، وكذلك العقل يجب تغذيته بصفة مستمرة بنفس الكلمات والعبارات مرارا وتكرارا.

فمثلها مثل تعلم مهارة جديدة، فغير أن تكون عبقري أو ذكي للغاية فإن تعلم مهارة جديدة يحتاج إلى ممارستها لفترة حتى تنغرس في عقلك وتصبح جزءًا منك أو تصبح طبيعة متأصلة فيك، وذلك لأن التكرار يدخل إلى العقل الباطن ويبدأ العمل من هناك.

فإذا قمت بشراء أشرطة ستجد أنها تعمل لأن الإشارات أو الأفكار لا يتم دفعها إلى ذلك الحاجز، ولكنها بدلا من ذلك تذهب مباشرة إلى العقل الباطن وتغرس نفسها هناك، وبما أن الأفكار يتم توجيهها إليك، فإن عقلك الباطن يقوم يتجميعها والاحتفاظ بها في بنوك الذاكرة إلى الأبد.

خلال المقالات القادمة سوف نتعلم التقنيات التي من شأنها أن تساعدك على تغيير عقليتك الخاصة وتغيير برمجة العقل الباطن بحيث يمكنك تغيير طريقة تفكيرك والعيش بالطريقة التي تريدها، وسوف تتعلم الكيفية التي يعمل بها العقل البشري وسترى مدى قوته، وهو ما سوف يساعد في توجيهك للاتجاه الصحيح بحيث تتمكن من فهم الطريقة الصحيحة لتغيير عقلك الباطن بشكل أفضل.

قد تبدو كل خطوة في العملية مخيفة لك في البداية لأنك قد أغلقت الأبواب على معتقداتك لفترة طويلة بحيث أن أي تغيير سوف يبدو مخيفا إذا لم يكن مرعبا، ولكن في هذا الوقت عليك أن تقوم بوضع غمامات وتبدأ العملية وإلا فلن ترى تغييرًا يحدث في حياتك.

قال انتوني روبنز إن الناس يفضلون العيش في منطقة الأمان، فسواء كانت جيدة أو سيئة فأنهم يفضلون العيش في منطقة هم على دراية بها، فما نراه نحن مؤلما يرونه هم مقبولا.

فإذا كنت ممن ينطبق عليهم ذلك الوصف، فالطريقة الوحيدة لتغيير حياتك هي أن تقتنع بأن الألم ليس متعة ولكنه ألم، وهذا سوف يجعلك تريد التغير بشدة، وهو ما يمكنك تحقيقه من خلال برمجة العقل الباطن.

ولكن في المرحلة الأولى يجب أن تتخذ قرارًا أنك تريد أن تتغير، فأنت وحدك من يمكنه اتخاذ ذلك القرار والذي يعتمد على مدى رغبتك في التغير. فإذا تعبت من العيش في الألم وتريد أن تعيش في سلام وفرح وسرور وتحصل على حياة جديدة، فيجب عليك تغيير أفكارك وسوف تقودك تلك الأفكار إلى تغيير مشاعرك والطريقة التي تعيش بها، وسوف تأخذ حياتك معنى جديدًا وستكون ممتنًا لقيامك بتلك الخطوة.

فإذا كنت على استعداد للبدء في عملية تغيير حياتك فإن الخطوة الأولى هي تغيير العقلية الخاصة بك، ولكن قبل أن نصل إلى تلك المرحلة عليك فهم العقل نفسه قبل أن تتمكن من معرفة الأفكار وكيفية استخدام العقل وتخزين الأفكار.

إقرأ أيضا